الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

332

المنقذ من التقليد

لطف له . فيقال إنّه مندوب إلى ذلك وأنّه لا يتصوّر أن يكون ذلك مباحا له . فأمّا إذا لم يعلم فاعل الألم ذلك ولا يخطر له على بال ، كيف يقال إنّه يقصد به الإحسان إلى الغير ؟ وأنّه مندوب إليه ، وقد قيل إنّ الألم المباح ، كذبح البهائم المباح في الشرع ذبحها ، إنّما حسن لحصول العوض في مقابلته ، وانتفاع الذابح وغيره ، بالتناول من لحمه والانتفاع به ، لأنّه بحصول العوض الموفي يخرج من كونه ظلما ، وبالعوض الذي هو الانتفاع بلحمه من كونه عبثا فيحسن . فإن قيل : الانتفاع بلحم المذبوح الذي جعلتموه غرضا مخرجا للألم بالذبح عن كونه عبثا يمكن تحصيله من دون الإيلام بالذبح بأن يخلق اللّه تعالى في المذبوح الشهوة المتعلّقة بالذبح وما يتولّد عنه أو بأن لا يخلق له النفار ولا الشهوة المتعلّقين بذلك ، فيكون الإيلام بالذبح لهذا الغرض عبثا . قلنا : أمّا من لا يجيز انتفاء التألّم بالذبح وما يتولّد عنه فانّه لا يتوجّه عليه هذا السؤال . وأمّا من أجازه ويذهب إلى أنّ الألم لا يصير عبثا قبيحا بأن يقوم غيره مقامه في الغرض المقصود يجيب عن هذا السؤال بأنّ ما ذكره السائل إشارة إلى انّ غير الألم يقوم في الغرض المشار إليه مقام الألم ، فليس أكثر من ذلك . وقد بيّنا أنّ الفعل الذي أجري به إلى غرض صحيح هو غرض المثل لا يصير عبثا قبيحا بأن يقوم غيره مقامه . فامّا من ذهب إلى أنّ الإيلام يكون عبثا قبيحا بأن يقوم غيره مقامه وجوّز أن لا يتألّم الحيوان بالذبح ، فانّه لا يمكنه أن يقول : الغرض المخرج لذبح الحيوان وتألّمه به إنّما هو انتفاع الذابح أو غيره أو انتفاعهما بالتناول من لحم المذبوح ، لإمكان التوصّل إلى هذا الغرض بغير الإيلام . فإن قيل : بم تنكرون على قول المجبّرة : « إنّه يحسن منه تعالى إيلام العباد من دون عوض لأنّه خالقهم ومالكهم ، وأنّه يحسن منه عزّ وجل أن يخلق حيوانا في النار ابتداء فيعذّبه فيها أبدا من دون جريمة وجناية سبقت منه ومن دون أن يعوّضه على ذلك فيحسن منه ذلك لأنّه خالقه » .